اختطاف بن بلة ورفاقه.. أول قرصنة جوية في التاريخ

Memoria-n16-024

في الـ22 أكتوبر 1956، اعترضت المقاتلات الحربية الفرنسية، في عرض السواحل الجزائرية، طائرة تابعة لشركة مغربية. كانت الطائرة تقل ركابا استثنائيين: أحمد بن بلة، محمد بوضياف، الحسين آيت أحمد، محمد خيضر، قادة جبهة التحرير الوطني، مرفوقين بالصحافي الجزائري مصطفى الأشرف، المكلف بالإعلام في الجبهة. إنها أول قرصنة جوية في التاريخ.

 عبد الناصر يحذر

سنة 1956، كانت مضت على الثورة الجزائرية سنتان. وكانت مصر، بزعامة جمال عبد الناصر، أهم داعميها. لذا، توجه أحمد بن بلة رئيس الوفد الخارجي لجبهة التحرير الوطني، إلى القاهرة للقاء الرئيس، جمال عبد الناصر، وطلب تزويد الثورة بالسلاح. رغم أن مصر كانت على أبواب العدوان الثلاثي، وافق عبد الناصر على تزويد الجبهة بالسلاح.

 بعد الاجتماع حدث أمر ملفت للانتباه. سأل الزعيم المصري ضيفه بن بلة عن وجهته المقبلة. أجاب هذا الأخير بعفوية: مدريد. كرر عبد الناصر سؤاله ثلاث مرات: مدريد وليس الرباط؟. وكان جواب بن بلة: يا أخي إلى مدريد. توجه بن بلة فعلا إلى مدريد للقاء قادة الجبهة في الخارج، محمد بوضياف، الحسين آيت أحمد، ومحمد خيضر.عند وصوله، وجد أن رفاقه غادروا العاصمة الإسبانية إلى الرباط رفقة الملك محمد الخامس، الذي كان في زيارة لإسبانيا. هنا، يقول بن بلة: “تذكرت كلام عبد الناصر لي وتأكيده على أني سأذهب إلى الرباط، وليس إلى مدريد”.

كان القادة الجزائريون في طريقهم إلى تونس للاجتماع بمحمد الخامس وبورقيبة

كان القادة الجزائريون في طريقهم إلى تونس للاجتماع بمحمد الخامس وبورقيبة

كانت المخابرات المصرية إحدى أقوى الأجهزة الاستخباراتية في المنطقة. ولا يستبعد أن تكون علمت برغبة رفاق بن بلة التوجه إلى الرباط، خاصة أن محمد الخامس أرسل مبعوثه إلى مصر، وأعلن نيته عقد اجتماع مع قادة الكفاح الجزائري بالخارج. وهو ما لم يرق الأمر كثيرا لجمال عبد الناصر، خوفا من تدبير “مؤامرة” لهم في المغرب. يقول بن بلة: “كانت كل نبرات صوته وتكرار تساؤله يحذرني من الذهاب إلى الرباط”.

لحق بن بلة برفاقه إلى المغرب. وكان الهدف من مجيئهم هو إطلاع سلطان المغرب ، ثم  الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، على نتائج مفاوضاتهم مع فرنسا التي بدؤوها منذ ما يقارب سنة. يقول بن بلة: “حينما توصلنا إلى ما يشبه الاتفاق النهائي مع الفرنسيين، قلنا لا بد من إطلاع جيراننا المغاربة والتونسيين على ما توصلنا إليه من اتفاق، فهم جيراننا، ولا يمكن أن نبرم شيئا دون أن نطلعهم على ما اتفقنا عليه”.

 قرصنة جوية

بعد اجتماعهم مع الملك محمد الخامس، تقرر أن يصحب القادة الجزائريون السلطان في طائرته الخاصة إلى تونس، للقاء الرئيس بورقيبة. لكن حادثا بسيطا طرأ في آخر لحظة. فتقرر أن يستقل القادة الجزائريون، من باب اللياقة، طائرة منفردة عن طائرة السلطان، بدعوى أن محمد الخامس سيصحب معه حريمه في الرحلة. توجهت طائرة السلطان إلى تونس ولحقتها بعد ساعتين طائرة القادة الجزائرييين.

قضى القادة الجزائريون خمس سنوات في السجون الفرنسية قبل الإفراج عنهم

قضى قادة جبهة التحرير الجزائرية خمس سنوات في السجون الفرنسية قبل الإفراج عنهم

في طريقها إلى العاصمة الجزائرية، اعترضت الطائرات الحربية الفرنسية الطائرة المغربية، وأرغمتها على النزول في مطار الجزائر العاصمة. نزلت الطائرة، ولم يعلم ركابها بأمر الاختطاف، إلا حين رأوا الفرنسيين يطوقونهم. يقول بن بلة: “حينها، جاءتني كل الهواجس، لكن تحذير عبد الناصر كان هو الأعلى بداخلي… أحاط الجيش الفرنسي بالطائرة، وطلبوا منا عبر الميكروفونات أن ننزل. عند ذلك أدرك الجميع أننا وقغنا في قبضة الفرنسيين، فالطيار لم يبلغنا بأي شيء، والطائرة كانت للشركة المغربية”. اقتيد القادة الجزائريون إلى أحد المراكز العسكرية، ووضعوا في زنازين، قبل أن يتم ترحيلهم إلى فرنسا.

لكن، ما السبب في اختطاف قادة الجبهة؟ هل كان الأمر نتيجة فشل المفاوضات مع الحكومة الفرنسية؟. بالعكس، يقول المؤرخ، المعطي منجيب في مقال له بمجلة “زمان” التاريخية المتخصصة: “المشكل هو أنها كانت تسير بوثيرة أسرع. وكان الطرفان على وشك الوصول إلى اتفاق تاريخي” ينص على تنظيم استفتاء لتقرير المصير. ويبدو أن المؤسسة العسكرية لم تكن تعجبها هذه التسوية المنتظرة، حيث كانت متمسكة بالجزائر، ولم يكن في وسعها فقد مستعمرة أخرى، بعد أن خرجت فرنسا صاغرة من الهند الصينية. كان الهدف من خطف القادة الجزائريين، هو قطع الطريق أمام الحكومة الفرنسية، وإفشال المفاوضات مع جبهة التحرير الوطني.

خيوط المؤامرة

استدعت الرباط عبد الرحيم بوعبيد سفيرها في باريس، احتجاجا على عملية الاختطاف

استدعت الرباط سفيرها في باريس احتجاجا

كيف تمكنت فرنسا من العلم بأمر طائرة قادة الجبهة؟. كثير من الأنباء التي تدوولت خلال تلك الفترة تشير بأصابع الاتهام إلى المغرب، وبالضبط إلى دوائر في القصر الملكي، باعتبارها سربت معلومات الى السلطات الفرنسية. فتحي الديب، رئيس جهاز الاستخبارات المصرية في عهد جمال عبد الناصر، يشير إلى ما يصفه بـ”وضوح حقيقة التآمر الفرنسي بالاشتراك مع عناصر مغربية ذات ثقل سياسي”، بل إنه لا يتوانى في التلميح إلى “الدور الذي لعبته دوائر الأمير الحسن ولي العهد في ظروف وملابسات الاختطاف”. وتساءل الديب عن سبب التراجع في قرار مصاحبة القادة الجزائريين للعاهل المغربي في طائرته، وتأجيل سفرهم لمدة ساعتين أو ثلاث، حتى تسهل مهمة اختطافهم في الجو.

نفس السيناريو أشار إليه الصحفي المصري، محمد حسنين هيكل، قبل سنوات على قناة الجزيرة الفضائية، معتبرا أن ولي العهد “لم يكن بعيدا، سواء بقصد أو بالتسريب، أو بأن الفرنسيين العاملين بلاطه عرفوا بأمر سفر القادة الجزائريين”. أما بن بلة، فرفض، في شهادته على نفس القناة الحديث مطلقا عن القضية. واكتفى بالتعليق: “أنا لا أريد أن أتكلم في هذا الأمر من أجل الصالح العام. لن أتكلم في هذا اليوم ولا غدا ولا بعد غد”.

تسببت عملية الاختطاف في أزمة حادة بين الرباط وباريس، خاصة عندما فشل رئيس الحكومة مبارك البكاي، مبعوثا من طرف محمد الخامس، في إقناع فرنسا بإطلاق سراح الزعماء الخمسة. عند ذاك، لم المغرب بدا من استدعاء سفيره في باريس، عبد الرحيم بوعبيد، وقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

حينما نجت الحكومة من ملتمس الرقابة

خلال جلسة عمومية لمجلس النواب، يوم الاثنين 15 يونيو 1964، تقدم عبد اللطيف بنجلون، رئيس الفريق النيابي للاتحاد الوطني للقوات الشعبية، أمام منصة المجلس، معلنا باسم فريقه ولأول مرة في تاريخ المغرب، تقديم ملتمس رقابة ضد السياسة الاقتصادية لحكومة الوزير الأول، أحمد باحنيني. على إثرها، أعلن رئيس المجلس، عبد الكريم الخطيب، تعليق أعمال المجلس إلى الأسبوع الموالي لمناقشة الملتمس. دامت جلسات المناقشة أربعة أيام، من 22 إلى 25 يونيو 1964، وحضرها أغلب النواب وكافة أعضاء الحكومة، ونقلت أطوارها على أمواج الإذاعة وشاشات التلفزة، بأمر من الملك الحسن الثاني.

 الحكومة في قفص الاتهام

أحمد باحنيني

أحمد باحنيني، رئيس الحكومة

لتقديم الملتمس، اعتمد نواب الفريق الاتحادي على مقتضيات الفصل 81 من دستور 1962 الذي يتيح، لمجلس النواب، إمكانية معارضة مواصلة الحكومة لمهامها بالمصادقة على ملتمس رقابة يكون موقعا، على الأقل، من عشر الأعضاء. وتؤدي المصادقة عليه إلى استقالة الحكومة استقالة جماعية.

خلال جلسات النقاش، تناوب على تناول الكلمة باسم الحزب نوابه المعروفون٫ آمثال: عبد اللطيف بنجلون، عبد الواحد الراضي، المعطي بوعبيد، محمد الحبابي، وآخرون. أدانوا خلالها السياسة الاقتصادية لحكومة أحمدباحنيني، ووصفوها “بغير الحكيمة، وغير الشعبية،وغير القائمة على أساس سليم”.

حسب رفاق عبد الرحيم بوعبيد، نجم عن هذه السياسة استفحال الأزمة الاقتصادية، نتيجة انخفاض الإنتاج الوطني. فمقارنة بعدد السكان الذي حقق زيادة في الفترة بين 1961 و 1964 بأكثر من 10 في المائة، لم تستطع الطاقة الإنتاجية أن تبلغ هذه النسبة. وانتقد الاتحاديون أيضا “الإسراف” في توظيف الاعتمادات المالية في ميزانية التسيير، والرفع من أسعار المواد الاستهلاكية، خاصة السكر الذي أصبح يستحوذ على أكثر من نصف المدخول السنوي للفلاح المغربي.

أكثر من هذا، تسببت السياسة الاقتصادية للحكومة، داخليا في عجز في خزينة الدولة قدر بـ 115 مليار فرنك سنة 1964 وحدها، وخارجيا في انخفاض احتياطي المغرب من العملة الصعبة. ومعنى هذا أن الدولة ستلجأ إلى الدول والمؤسسات المالية الأجنبية للاقتراض، وهو ما يرفضه الاتحاد الوطني للقوات الشعبية جملة وتفصيلا، باعتباره وسيلة للتبعية للخارج.

وشكل الموقف من الاستثمارات الأجنبية محطة رئيسية في النقاش، حيث اتهم خلاله نواب الاتحاد الحكومة بالثقة المفرطة في الرأسمال الأجنبي، ودعمه بالإعانات المالية والتخفيضات الضريبية، بدعوى أنه سيؤدي إلى تصنيع البلاد، متحججين بعدم إنجاز أي مشروع منذ 1961 بمشاركة الرأسمال الأجنبي الخاص، بل “إن الاتفاقيات، حسب  مرافعة محمد الحبابي النائب عن مدينة الرباط، المتعلقة بالاستثمارات الجديدة، المبرمة بين الدولة المغربية والرأسمال الأجنبي الخاص يرجع تاريخها كلها  إلى ما قبل ماي 1960. إن كل هذه الاتفاقيات أبرمت مع حكومة كانت تعلن بصراحة وجوب مشاركة الدولة في جميع المشاريع التي ترمي إلى نمو الاقتصاد في البلاد”.

ملتمس أكبر من الحكومة

لم يكن في الحقيقة ملتمس الرقابة ضد السياسة الاقتصادية لحكومة أحمد باحنيني فقط، فهذه الأخير لم يكن مر على تعيينها أكثر من سبعة أشهر، بل كان بمثابة إعلان رفض للخيارات الاقتصادية التي نهجتها الدولة منذ سنة 1960، تاريخ إقالة حكومة عبد الله إبراهيم.

زعماء "الفديك"، الداعم الرئيسي لحكومة أحمد باحنيني

زعماء “الفديك”، الداعم الرئيسي لحكومة أحمد باحنيني

لقد شكل الملتمس إحدى أشرس حلقات الصراع بين توجهين اقتصاديين. أحدهما يسعى إلى تحقيق ما يصفه ب “التحرر الاقتصادي”، عبر التنزيل الكامل لمقتضيات المخطط الخماسي (60-64) الذيأقرته حكومة عبد الله إبراهيم: الإصلاح الزراعي بتوزيع الأراضي المصادرة من المعمرين والمتعاونين مع الاستعمار على صغار الفلاحين، السير في اتجاه التصنيع، وإمداد الإدارة بالأطر عبر خلق مراكز التكوين والتوجه نحو تعميم التعليم. لقد “كانت في مجملها سياسة اقتصادية ذات نفس اجتماعي يراعي انتظارات الفئات الاجتماعية البسيطة من ثمرات الاستقلال، وتطرح في نفس الوقت أوراشا كبرى للإقلاع الاقتصادي سواء في مجال الفلاحة (حرث مليوني هكتار بالجرار في غضون 1964) أو في المجال الصناعي من خلال المركبات الصناعية”، يعلق الطيب بياض، المؤرخ المتخصص في التاريخ الاقتصادي للمغرب المعاصر. أما التوجه الثاني، والذي تمثل حكومة أحمد باحنيني إحدى حلقاته، فكان هاجسه الأكبر عصرنة الفلاحة، بحثا عن التصدير وجلب العملة الصعبة، لذا فضل توزيع الأراضي على ملاكين كبار كانوا، بتعبير المؤرخ بياض، “أكثر جشعا من المعمرين الفرنسيين”، عوض توزيعها على الفلاحين الصغار. وهو ما رأى فيه الاتحاد الوطني سياسة لا شعبية.

لقد كانت هذه السياسة الليبرالية ذات طبيعة اقتصادية صرفة تفكر بمنطق التوازنات، فتراجعت عن المخطط الخماسي، واتجهت نحو الاعتماد على الرأسمال الأجنبي الخاص. لكن دون جدوى، فقد فضل المستثمرون الأجانب سحب أموالهم من المغرب، والاستثمار داخل الفضاء الاقتصادي الأوربي الذي أصبح ملائما مع تأسيس السوق الأوربية المشتركة.

اتجهت هذه السياسة نحو الفشل، وانخفض الناتج الداخلي الخام، ولم يكن معدل النمو يتجاوز 2 في المائة. هنا، يقول الطيب بياض، لجأت الحكومة إلى البنك الدولي، “لطلب إرسال خبراء دوليين إلى المغرب لتشخيص الوضع وتقديم حلول. استقر وفد البنك الدولي في المغرب ثلاثة أشهر في ربيع سنة 1964، واقترح حلولا بمزيد من الليبرالية”، فاتسعت هوة الصراع بين الفريقين.

 بنبركة يخيم على الملتمس

في اليوم الثالث من جلسات مناقشة ملتمس الرقابة، تناول الكلمة باسم الحكومة، كل من عبد الرحمان الخطيب وزير الداخلية، ومولاي أحمد العلوي وزير الأنباء، وطالبا نواب الاتحاد الوطني بالتبرؤ من المهدي بنبركة وإدانته، على خلفية موقفه من الاشتباكات الحدودية بين المغرب والجزائر سنة 1963 (حرب الرمال) والتي اعتبرها “حربا عدوانية على الجمهورية الجزائرية الديمقراطية”. وشملت المطالبة أيضا إدانة حميد برادة، رئيس الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، الذي أدلى، من الجزائر، بتصريحات مشابهة لبنبركة.

خلال الجلسة، تحدى عبد الرحمان الخطيب عبد اللطيف بنجلون، رئيس الفريق الاتحادي، بالصعود إلى المنصة والإعلان، أمام الكاميرا، إدانة الاتحاد الوطني لبنبركة المحكوم عليه غيابيا بالإعدام قبل أسابيع، متعهدا بتقديم استقالته من وزارة الداخلية، إلى الملك، مساء اليوم نفسه.

طالبت الحكومة المعارضة الاتحادية بالتبرؤ من بنبركة خلال مناقشة ملتمس الرقابة.

طالبت الحكومة المعارضة الاتحادية بالتبرؤ من بنبركة خلال مناقشة ملتمس الرقابة

وبدوره، سار مولاي أحمد العلوي، وبحدة أشد، في الاتجاه ذاته. فبعد أن تلا أمام النواب مقتطفات من تصريحات بنبركة وبرادة، توجه بالكلام إلى بنجلون، قائلا:”تعرفون بنبركة، وأنا أعرفه أيضا. إنه متخصص في انشقاق الأحزاب والنقابات. أنا أعرفكم، روحكم مختلفة عنه. تقدموا إلى هنا، إلى هذه المنصة، تبرؤا من بنبركة والمتآمرين. عندها سنستقيل فورا”. وختم كلامه بالقول إن ملتمس الرقابة موجه ضد سياسة الدولة العامة، وليس ضد سياسة الحكومة الاقتصادية.

كلام ممثلي الحكومة أثار غضب نواب الاتحاد الوطني الذين شددوا على الصبغة الاقتصادية الصرفة لملتمسهم، معتبرين أنه “في هذا الإطار، وفيه وحده فقط،  يدخل ملتمس الرقابة الذي تقدم به الفريق النيابي للاتحاد الوطني للقوات الشعبية”. وحدث أن هدد محمد التبر، النائب عن الدار البيضاء برفع دعوى قضائية، لدى المحكمة العليا، ضد الوزير الأول الذي أدلى في وقت سابق، بتصريحات مشابهة لما قاله الخطيب والعلوي.

رغم تشديد نواب الفريق الاتحادي على الطابع الاقتصادي لملتمسهم، إلا أنه لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق الاحتقان السياسي الذي طبع علاقة الاتحاد الوطني بالقصر في بداية الستينات: مقاطعة دستور 1962، اتهام النظام بتزوير الانتخابات التشريعية لسنة 1963، ثم ما عرف بمؤامرة 16 يوليوز 1963 والتي صدرت على إثرها أحكام بالإعدام في حق الفقيه البصري، وعمر بنجلون، ومومن الديوري.

كان الملتمس أيضا رسالة إلى جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية (الفديك) التي تسند حكومة باحنيني، بعد فوزها في الانتخابات التشريعية، والتي اعتبرت بمثابة “تحالف حضري-قروي”، بتعبير جون واتربوري، للتصدي للأحزاب المنبثقة عن الحركة الوطنية.

 الحكومة لم تسقط، بل الملتمس

هل كان الاتحاد الوطني للقوات الشعبية واثقا من إسقاط حكومة أحمد باحنيني؟. يجيب عبد اللطيف بنجلون، رئيس الفريق الاتحادي، في إحدى مرافعاته بالنفي، موضحا أنه لو كان أي فريق يعرف سلفا عدد الأصوات التي ستكون بجانبه، لما تقدم أحد بملتمس رقابة.

عدم وثوق الاتحاد من إمكانية إسقاط الحكومة، يمكن إرجاعه أيضا إلى موقف حليفه، حزب الاستقلال، الذي بدا ملتبسا، على الأقل للوهلة الأولى. يقول أحد مقالات جريدة “العلم” لشهر يوليوز 1963: “نحن، كما قلنا سابقا، لا يهمنا سقوط الحكومة أو بقاؤها في وضع نيابي غير سليم، فما ننتظر من سقوطها تغييرا جذريا للأوضاع، ولا ننتظر من سقوطها قيام مشروعية جديدة في الحكم، ولا ننتظر من سقوطها أن تقوم بعدها حكومة صالحة، كما أننا لا نطمع من وراء بقائها أن تقوم بعمل صالح”.

بعد التصويت، أعلن الخطيب (يسار) أن ملتمس الرقابة، لم يحصل إلا على ستين صوتا، وبالتالي سقط

عشية يوم الخميس 25 يونيو 1964، وبعد أربعة أيام من المناقشة، تقدم كل من حرمة ولد بابانا عن “الفديك”، وعبد اللطيف بنجلون عن “إ.و.ق.ش”، وعبد الخالق الطريس عن حزب الاستقلال، إلى المنصة لتحديد المواقف النهائية لأحزابهم من ملتمس الرقابة.

لم يؤيد “الفديك”- باعتباره جزءا من الأغلبية الحكومية- الملتمس، بينما صوت لصالحه نواب الاتحاد الوطني وحزب الاستقلال الذي برر موقفه بأنه “لنا سياسة وهذه السياسة هي سياسة معارضة للحكومة القائمة. وإننا اليوم إذ نصوت لصالح الملتمس، نصوت عليه لأننا نريد أن نبقى منطقيين مع أنفسنا”.

بعد انتهاء التصويت، أعلن عبد الكريم الخطيب رئيس المجلس أن “ملتمس الرقابة، لم يحصل إلا على ستين صوتا، أي أقل بثلاثة عشر صوتا عن الأغلبية المطلقة. وبالتالي سقط الملتمس”.

رغم فشله، لم ير الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في الأمر هزيمة، بل اعتبر الملتمس، “بما كشفت مناقشاته من حقائق، إدانة لسياسة الحكومة الحالية سواء من طرف الرأي العام أو داخل المجلس نفسه”. أما حكومة أحمد باحنيني فلم تعمر أكثر من عام آخر، حيث لحقها تعديل بعد شهر من سقوط الملتمس، ثم ما لبث الملك الحسن الثاني أن فاجأها في 7 يونيو 1965، معلنا حالة استثناء دامت خمس سنوات.

————-

ملحوظة: نشر هذا المقال في العدد 2 من مجلة “الآن” المغربية، من 13 إلى 19 أبريل 2012. يمكنكم الوصول إليه على الرابط

http://alaan24.com/magazine/2.html

السياسة الإسلامية.. الوجه الناعم للاحتلال

خالد الغالي، صحافي مغربي متخصص في التاريخ

قبل قرن من الزمان دخل المغرب تحت الحماية الفرنسية، بموجب “عقد فاس” سنة 1912. وبحلول سنة 1934، كان التراب الوطني بكامله خاضعا لفرنسا. “الآن”، تعود إلى إحدى أنجع وسائل التغلغل الاستعماري: السياسة الإسلامية. سياسة رسم خطوطها العريضة، لويس هوبير ليوطي، أول مقيم عام في المغرب، وحقق بها نجاحا منقطع النظير.

لويس هوبير ليوطي، المقيم العام الفرنسي بالمغرب، مهندس السياسة الإسلامية

لويس هوبير ليوطي، المقيم العام الفرنسي بالمغرب، مهندس السياسة الإسلامية

“إذا كانت هناك شخصية فرنسية طبعت المغرب المعاصر، شخصية فرنسية مازالت بصماتها، إلى اليوم، حاضرة، وبقوة، في الذاكرة الجماعية للمغاربة، في المقررات الدراسية لأطفالهم، في تراثهم المعماري والتاريخي، في الحفلات السياسية لزعمائهم، وحتى في رموز الدولة… فإنها بالتأكيد ستكون لويس هوبير ليوطي، أول مقيم عام فرنسي في المغربي بين سنتي 1912 و 1925. هل يجب التذكير، على سبيل المثال فقط، أن اختيار الرباط عاصمة للبلاد صنيعة ليوطي، وأن العلم المغربي الحالي كان وراءه أيضا ليوطي؟”. كانت هذه شهادة لجامع بيضا، أحد مؤرخي المغرب المعاصر المعروفين. لكن كيف حقق الرجل كل هذا النجاح؟. لقد كان ذلك بفضل سياسة أسماها، هو نفسه “السياسة الإسلامية”، وقال عنها: “لقد حكمت المغرب بفضل سياستي الإسلامية. وأنا متأكد أنها جيدة، وأطالب بإلحاح أن لا يأتي أحد ليفسد علي لعبتي”.

سياسة عمادها الاحترام

 اعتمد ليوطي في سياسته الإسلامية على مبدأ التوقير والاحترام، تجاه كل ما يتعلق بـ”الأهالي”: ديانتهم، عاداتهم المحلية، مؤسسات حكمهم، ومؤسساتهم الاجتماعية التقليدية٬ من قضاء وأحباس وتعليم. وكان الهدف من ذلك أن “لا يشعروا بأنهم يعيشون٬ مع الوجود الفرنسي، قطيعة كاملة مع تقاليدهم”، يوضح جامع بيضا في مقال له. ويكفي التمعن في العلاقة التي ربطها ليوطي، وهو الملكي الهوى، مع السلطان مولاي يوسف، لفهم طبيعة هذه السياسة. فقد حرص ليوطي، وهو ممثل الدولة الحامية، أن يظهر بمظهر “الخديم الأول” (كان هو شخصيا يطلق على نفسه هذا اللقب) للسلطان المحمي، بل كان يناديه بـ”سيدنا”. كما جاهد من أجل أن لا تشوه صورة السلطان، فحافظ على هالة الطقوس المخزنية العتيقة المحيطة به. يقول الجنرال ليوطي: “أبعدت عنه بعناية كل مظاهر الاختلاط الأوربية، والسيارات ومأدبات العشاء المرفقة بالشمبانيا، وأحطته بالتقاليد المغربية العتيقة. سلوكه كمسلم صادق، ورجل شريف يتكفل بالباقي. لقد أعاد إحياء الصلاة الكبرى ليوم الجمعة بطقسها العتيق، واحتفل بالعيد الصغير بمظلته، وباحترام للتقاليد الغابرة منذ عهد مولاي الحسن…لقد تقلد، فجأة، هيأة سلطان حقيقي”.

وليدفع بسياسته إلى أبعد حدودها، أظهر ليوطي احتراما منقطع النظير للإسلام، بل أبدى إعجابه به. وكان في ذلك براغماتيا تماما. فاحترام الإسلام، الذي يختزل كل الانفعالات العقلية والوجدانية للمسلم، بتعبيره هو أيضا، هو مفتاح كسب تعاطف المغاربة. وهكذا، وقف ليوطي أمام قيام المعمرين والكنيسة بحملات تبشيرية، ومنع غير المسلمين من دخول المساجد، كما حظر استهلاك الكحول في الأماكن العامة، ومنع المسلمين من استهلاكه. في المقابل، شجع إقامة الشعائر، فبنى المساجد والزوايا والأضرحة، وأرسل الفرق الطبية لمرافقة الحجاج في طريقهم إلى مكة. الأكثر من هذا، وضع ليوطي علمانية الدولة الفرنسية جانبا، وشدد على أن تكون الشريعة الإسلامية المصدر الأول للتشريع في المغرب، بل إنه حرص على أن لا تخالف القوانين المستمدة من النصوص الأوربية الأعراف الإسلامية.

في إطار سياسته الإسلامية،    عمل ليوطي على أن يظهر بمظهر “الخديم الأول” لسلطان المغرب

في إطار سياسته الإسلامية، عمل ليوطي على أن يظهر بمظهر “الخديم الأول” لسلطان المغرب

لقد أتت هذه السياسة أكلها، ويذكر المؤرخون كيف ارتفعت الدعوات من على منابر المساجد بالشفاء لليوطي بعد إصابته بالتهاب كبدي سنة 1923، بل شاع بين المغاربة حينها أن المقيم العام اعتنق الاسلام. لم يتوقف ليوطي عند هذا الحد، فقد نجح بفضل سياسته الإسلامية في تجنيد العلماء، الكبار منهم خصوصا، أمثال أحمد بن المواز وأبي شعيب الدكالي وعلماء من مراكش، واستصدر منهم فتاوى تبيح اصطفاف المغاربة مع فرنسا في الحرب العالمية الأولى، علما أنهم سيقاتلون خلال هذه الحرب دولة إسلامية، هي الدولة العثمانية.

سياسة نستجها التجارب

أبدى هوبير ليوطي، منذ كان ضابطا صغيرا في الجيش، كرها شديدا للأسلوب الفرنسي في إدارة المستعمرات، وعلق عليه قائلا:”الإدارة المباشرة تجري في عروق الفرنسيين مجرى الدم”. في المقابل، فضل عليه الأسلوب الإنجليزي المبني على الإدارة غير المباشرة. تفضيل ليوطي الإدارة غير المباشرة هو الذي جعله يضع تصورا خاصا به للحماية مبنيا فكرة “الشراكة” في الحكم مع الهيآت الأهلية وفق تقاليدها وعادتها، وبالتالي نهج سياسة إسلامية عمادها احترام العادات والتقاليد المحلي.

وبالطبع، فإن اللمسة العلمية لا تغيب عن “السياسة الإسلامية”. فكتابات آلفريد لو شالتوليي وأبحاث “البعثة العلمية” التي أسسها في المغرب سنة 1903، كانت المنارات التي اهتدى بها ليوطي. وعند تعيينه مقيما عاما، في 1912، بعث رسالة إلى حكومته، يخبرها فيها بأنه سيعتمد، في رسم معالم سياسته إزاء المغاربة، على ما توصل إليه لوشاتوليي. تجربة ليوطي العسكرية الطويلة كانت بدورها مؤثرة في رسم معالم سياسته، وزادت من حنقه على السياسيات الاستعمارية الفرنسية. فقد قضى فترة ليوطي في الجزائر، وشهد بعينه المعاملات السيئة تجاه “الأهالي”. حينها لم يكن إلا ليوتنان في الجيش، فاكتفى بالقول: “مادمنا لم نعد إلى أسلوب أكثر تحضرا، وإنسانية، واحتراما لهم، فإن التمردات ستجدد وفي فترات تابثة”.

وكما خبر سياسية الإدماج في الجزائر، فقد خاض تجربة مغايرة تماما برفقة أحد رجالات فرنسا الاستعماريين الكبار، جوزيف غاليني، الحاكم العسكري لمدغشقر. هذا الأخير، تمكن في سنتين من السيطرة على الجزيرة بكاملها، بفضل سياسة عرفت بـ”السياسة العرقية” المبنية  بدورها على احترام “الأهالي” والحكم بواسطتهم وبعاداتهم وتقاليدهم.  وقد كان مقدرا لغاليني أن يكون أول مقيم عام في المغرب، إلا أن ظروفه الصحية منعته من ذلك، فأوصى حكومته باختيار هوبير ليوطي.

وربما زاد اللقاء الأول لليوطي، كمقيم عام، مع المغرب من اقتناعه بنجاعة السياسة الإسلامية. فبمجرد وصوله إلى فاس، اصطدم بثورات دامية للقبائل التي حاصرت المدينة احتجاجا على توقيع معاهدة الحماية، فتأكد تماما أن الحسم العسكري وحده لن يكتب له النجاح. عندها راسل بلاده قائلا: “لو أمدتني فرنسا بمائة ألف جندي، لن يجدي الأمر شيئا: ستتم تجميد حركتهم. هذه البلاد لا يجب معالجتها بالقوة فقط. الطريقة العقلانية، والوحيدة، والأنسب، والتي أرستلني فرنسا من أجلها، أنا وليس أحدا غيري، هي اللعب الدائم على حبلي السياسة والقوة”.

حب أم براغماتية؟

بناء على وصيته دفن ليوطي في المغرب، قبل أن ينقل جثمانه إلى باريس سنة 1961

بناء على وصيته دفن ليوطي في المغرب، قبل أن ينقل جثمانه إلى باريس سنة 1961

بعد انتهاء مهتمه على رأس الإقامة العامة، عاد ليوطي إلى فرنسا، لكن الحنين ظل يشده إلى المملكة الشريفة. عندها، رسم ليوطي مخططا لضريحه وأوصى بدفنه في المغرب، وأن تكتب على قبره العبارة التالية: “هنا يرقد لويس هوبير ليوطي، أول مقيم عام لفرنسا في المغرب (1925/1912)، المتوفى في رحم الديانة الكاثوليكية التي حصل، في إطار إيمانه العميق بها، على آخر الأسرار المسيحية، والذي كان يحترم بعمق تقاليد الأسلاف والدين الإسلامي الذي حافظ عليه ومارسه سكان المغرب، حيث أراد أن يرقد، بين رحابهم، في هذه الأرض التي أحبها بشدة”.

أمنية ليوطي لم يكتب لها أن تتحقق بالكامل. فبطلب من الجنرال شارل دوغول، أعاد المغرب جثمان الماريشال، سنة 1961، إلى باريس. ويعتقد كثيرون أن سياسة ليوطي الإسلامية نابعة من هذا الشعور بالارتباط الذي يكنه ليوطي للمغرب، خاصة أنه بقي وفيا لقناعاته، حتى بعد انتهاء مهمته وعودته لفرنسا. لكن البعد البراغماتي لم يكن غائبا، بالتأكيد، عن هذه السياسة. ففرنسا، التي لم تكن بعد أرست قواعد صلبة لها في المغرب، عينت رجلا من طينة ليوطي لهذه المهمة بالضبط، وهي وضع أسس الحماية. ينضاف إلى ذلك أن ليوطي، وإن كان يفضل سياسته الإسلامية، فإن هذا لا يعني مطلقا أن خيار القوة لم يكن مطروحا لديه. ويشهد على ذلك القمع الشديد للتمردات التي اندلعت في مواجهة الحماية. وفي مقدمتها ثورة محمد بن عبد الكريم الخطابي التي تعهد ليوطي بالقضاء عليها، قبل أن يتولى الماريشال فيليب بيتان مهمة إخمادها.

—————————

للتعمق أكثر

  • RIVET, Daniel : «Quelques propos sur la politique musulmane de Lyautey au Maroc (1912 – 1925)» (article).
  • Baida,  Jamaa: «La politique musulmane de Lyautey au Maroc». (article)

نشر هذا المقال في العدد الأول من مجلة “الآن” المغربية، من 6 إلى 12 أبريل 2012. يمكنكم الوصول إليه عبر الرابط التالي:

http://alaan24.com/magazine/1.html